الصين تستثمر في مغامرات أمريكا.. الدبلوماسية تقارع حاملة الطائرات

تسعى الصين إلى ترسيخ مكانتها كقوة استقرار دولي، في ظل تحركات الولايات المتحدة تجاه فنزويلا وإيران والدنمارك.
وقد تتيح الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، فرصة للصين لتعزيز مكانتها كبديل موثوق ومستقر للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وأسفرت العملية العسكرية الأمريكية المفاجئة في فنزويلا عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو الذي دعمته الصين لسنوات طويلة دبلوماسيا، وبالقروض وصفقات النفط.
ومع اندلاع الاحتجاجات في إيران، وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشعب الإيراني بأن بلاده ستقدم له العون لكن يبدو أنه تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري.
ووفقا لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية فقد استغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، فأبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي أمس أن بلاده تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق “قانون الغاب” وأكد أن الصين مستعدة للعب “دور بنّاء” في حل الخلافات عبر الحوار.
قد يكون لتحركات إدارة ترامب تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران عنصران أساسيان في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جين بينغ بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد المحرك الأساسي للسياسة العالمية.
لكن هذه الاضطرابات قد تكون لها تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي، إذ تشتري معظم إمداداتها، كما أنها تشتري أكثر من 80% من النفط الإيراني.
وفي تحذير مباشر للصين، هدد ترامب قبل أيام بأن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25% على تجارتها مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، من المرجح أن شي يتبع ما وصفه وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر بأنه النهج الصيني الأساسي في السياسة الخارجية وهو “التركيز على المدى البعيد”.
وقال بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، إن الصين قادرة على اتباع استراتيجية طويلة الأمد تحديدًا لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لخلق الفرص اللازمة لذلك.
وأضاف “بقدر ما تنظر الدول إلى الولايات المتحدة على أنها مشكلة أكثر منها حلًا للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل”.
وأوضح أن “واشنطن تسلم الصين زمام الأمور” في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير فرص التعليم.
وبالفعل توسعت الصين بقوة في أمريكا اللاتينية ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.
كما عززت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، بما في ذلك استغلال العقوبات الأمريكية على إيران لشراء النفط بأسعار مخفضة.
ورغم اعتمادها على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام إلا أن الصين لديها خيارات أخرى عديدة لسد النقص في الإمدادات بسهولة من السوق المفتوحة وفقا لدرو طومسون، المسؤول الأمريكي السابق المتخصص في الشأن الصيني.
وقال طومسون، “أخيرًا، حصلت الصين على التنوع الذي طالما رغبت فيه في مصادر الإمداد.. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة.. العالم يزخر بالنفط، والصين بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة”.
وفي الشرق الأوسط، قد تكون الضربة الأكبر لطموحات الصين الدبلوماسية حيث أكدت تحركاتها في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر بالمنطقة.
في 2023 توسطت بكين في تهدئة العلاقات بين إيران والسعودية، في خطوة مفاجئة لواشنطن التي كانت تهيمن على المفاوضات الخارجية منذ نهاية الحرب الباردة.
وفي 2024 أعلنت الصين عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها حماس وفتح، وهو ما أشادت به وسائل الإعلام الصينية الرسمية باعتباره دليلاً على الدور المتنامي للصين كوسيط مؤثر في الشرق الأوسط.
وفي ظل الصمود الهش لوقف إطلاق النار في غزة، لا تزال الانقسامات السياسية الفلسطينية راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين تمت ترجمتها إلى نفوذ على الأرض.
وفي خضم تهديدات ترامب بالتدخل دعما للمحتجين الإيرانيين، أرسلت طهران سفنًا حربية للمشاركة في مناورات “إرادة السلام 2026” العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعد جزءًا من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة بريكس.
وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب المزيد من استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تتجه للانضمام إلى المناورات.
ورغم غياب الهند ومشاركة البرازيل كمراقب، إلا أن المناورات التي شاركت فيها الصين وروسيا وجنوب أفريقيا أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.
واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة البريكس، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون، لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جين بينغ في خطاب عام 2023 بـ”الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية”، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.
ورغم الشراكات والدعم المتبادل، فإن نهج الصين عملي للغاية، بحسب المحللين وهو ما يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، خاصة في الأزمات الوجودية كأزمة فنزويلا أو في مواجهة محتملة مع النظام الإيراني.
ووفقا لأندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، فإن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.
وقال “باستثناء عدد محدود للغاية من الدول مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين على استعداد لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن.. لكن عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانبًا، غير ملتزمة أبدًا ببقاء أي نظام”.
لكن الصين ستعيد تقييم العلاقات في أمريكا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية عبر قنوات خلفية، تتضمن دعماً اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً، للدول التي قد تكون أهدافاً واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا.
ويرى المحللون أن بكين ستواصل نهجها طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة بأن الصبر يبقى سلاحها الأقوى في سياستها الخارجية.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز




