اسعار واسواق

شايان ماونتن.. حصن الحرب الباردة ينبض بالحياة


في قلب جبلٍ صخري بولاية كولورادو، يختبئ واحد من أكثر المجمّعات العسكرية سرّية في تاريخ الحرب الباردة: مجمّع شايان ماونتن، المنشأة التي صُمّمت لتواصل العمل حتى لو انهار العالم فوق سطح الأرض.

فعلى عمق 2000 قدم تحت صخور الغرانيت الصلبة، يمتد مركز قيادة قادر على عزل نفسه بالكامل خلال ثوانٍ معدودة في حال وقوع هجوم نووي.

ويستطيع هذا المجمع، بحسب تقرير لموقع بيزنس إنسايدر، تحمّل انفجار تصل قوته إلى 30 ميغاطن – أي ما يعادل نحو 2000 ضعف قوة قنبلة هيروشيما.

بدأ العمل في هذا الحصن عام 1961، على بُعد 10 أميال من وسط مدينة كولورادو سبرينغز. وخلال خمس سنوات من الحفر والتفجير، جرى نحت بطن الجبل الذي يبلغ ارتفاعه 9565 قدماً وإزاحة أكثر من 693 ألف طن من الغرانيت لخلق مساحة تكفي لبناء 15 مبنى تحت الأرض.

ومع اكتماله عام 1966، أصبح المجمّع مركز العمليات القتالية للقيادة المشتركة للدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (نوراد)، حيث كان الضباط يعملون بلا توقف لرصد أي إطلاق سوفييتي محتمل لصواريخ أو قاذفات أو مركبات فضائية خلال ذروة التوتر بين القطبين.

ورغم انتقال مركز قيادة نوراد الرئيسي عام 2006 إلى قاعدة بيترسون القريبة، ظلّ مجمّع شايان ماونتن منشأة احتياطية واستراتيجية لا غنى عنها. واليوم تتولى القوات الفضائية الأمريكية تشغيله، فيما تشغل القيادة المشتركة للدفاع الجوي لأمريكا الشمالية على 30 في المئة فقط من مساحته الداخلية، ويشكّل عناصرهما 5 في المئة من تعداد العاملين يومياً داخل الجبل.

ويتميّز المجمّع بقدرته على الاكتفاء الذاتي لفترات طويلة، إذ يمتد على مساحة خمسة أفدنة كاملة تحت الأرض، ويستوعب داخله ستة ملايين غالون من المياه في خزانات منحوتة داخل الغرانيت، إضافة إلى 510 آلاف غالون من وقود الديزل، وأنظمة متطورة لتنقية الهواء ومخازن للطعام تكفي لأسابيع.

وقد بُنيت منشآته لمقاومة كل أشكال التهديدات: التفجيرات النووية، والأسلحة الكهرومغناطيسية، والعواصف الشمسية، والهجمات الكيميائية والبيولوجية، وحتى محاولات القرصنة الإلكترونية.

وفي حال الطوارئ، تُغلق المنشأة خلال 20 ثانية عبر بوابتين فولاذيتين عملاقتين تزن كل منهما 23 طناً وبسماكة ثلاثة أقدام، قادرتين على تحمل موجات الصدمة النووية. وكانت آخر مرة أُغلقت فيها الأبواب خارج نطاق التدريب خلال أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001.

أمّا المباني الـ15 داخل الجبل فبنيت فوق أكثر من 1300 نابض فولاذي يمتصّ الهزات الأرضية ويحمي المعدات الحيوية من أي ارتجاج، فيما صُمّمت الأنابيب الداخلية بحيث تكون مرنة لتتفادى الانفجار عند أي حركة مفاجئة في الأرض.

مجمّع شايان ماونتن

وعلى الرغم من طبيعة المهمة الخطرة، فإن الحياة اليومية داخل الجبل ليست خالية من اللمسات الإنسانية. إذ يعمل بين 350 و580 شخصاً يومياً داخل المجمّع، وتتوفر لهم مرافق طبية ودينية ومتاجر صغيرة وصالة رياضية تتحول إلى مستشفى عند الضرورة. ويضم المجمّع أيضاً فرعاً من سلسلة “صبواي” يستخدمه الموظفون، ويُعرف مازحاً بأنه “أكثر فروع صبواي أماناً في العالم”.

أما على صعيد المهام التشغيلية، فيراقب المسؤولون داخل الجبل كل ما يجري في السماء: من إطلاق الصواريخ إلى الاختبارات النووية والتحركات الفضائية المشبوهة. كما يشكّل المجمّع مركز قيادة بديل جاهزاً لتولي مهام نوراد والقيادة الشمالية الأمريكية في حال تعطل مركز القيادة الرئيسي.

وللمحافظة على الأمن الإلكتروني، لا تتصل أي من أجهزة المجمّع بشبكات خارجية – وهي شبكات لا يمكن في الأساس اختراقها عبر طبقات الغرانيت – ويُعتمد على أنظمة دفاع متقدمة لمواجهة أي محاولة تسلل.

مجمّع شايان ماونتن

ورغم جاهزية المنشأة لحالات «نهاية العالم»، تبقى التضحيات البشرية جزءاً من واقع العاملين فيها. إذ يدرك الموظفون أنه في حال وقوع طارئ حقيقي، سيسمح لهم فقط بالدخول إلى المجمّع دون عائلاتهم.

وفي رواية نشرها صحفي في مجلة ويرد، قال أحد الضباط لأسرته: «سأكون في الجبل أؤدي عملي… ولن أستطيع مساعدتكم». ولهذا يخضع العاملون لتدريبات دورية تشمل المبيت داخل الجبل استعداداً لسيناريوهات العزل الكامل.

وبينما يسود المكان شعور دائم بالمسؤولية الثقيلة، لا يخلو المجمّع من روح الدعابة بين عناصره، إذ يحتفظ الموظفون بتقليد طريف: دمية فضائي تُوضع على مكتب المدير كتذكير ساخر ببيئة العمل غير العادية داخل واحد من أكثر الحصون العسكرية تحصيناً على وجه الأرض.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى