هل يكون التباطؤ أفضل سيناريوهات الاقتصاد العالمي 2026؟ ‹ جريدة الوطن

فقاعات قيد الانفجار: هل يكون التباطؤ أفضل سيناريوهات الاقتصاد العالمي 2026؟
إذا استطاع الاقتصاد العالمي أن يعمل بمعزل عن توترات السياسة والجغرافيا والصراعات الدولية، وإذا تخلص من نزاعات المصالح وتضاربها؛ فإنه سينمو وينتعش، وسيكون بإمكانه توفير السلع والمنتجات الضرورية وغير الضرورية بأسعار في متناول الجميع، وفوق ذلك فقد لا تحدث أي من أزمات شُح الموارد أو تبديدها؛ بل سيكون مضموناً لأجيال المستقبل حقهم في تلك الموارد، حيث سيكون هدف التنمية المستدامة قريب المنال.
هذه المقدمة المقتضبة لا تنطوي سوى على أمنيات، ونتائج نظرية مبنية على افتراضات غير واقعية، لم تتحقق أبداً في أي مرحلة من مراحل التاريخ، والأمر المؤسف الذي يمكن الجزم به هو أنها لن تتحقق أبداً، في ظل أن العلاقات الدولية جوهرها الصراع وتضارب المصالح. وشهدت السنوات الأخيرة دخول العلاقات الدولية منحى استثنائياً من الصراعات والتوترات، فهناك الحرب الروسية الأوكرانية التي تقترب من عامها الرابع، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي ما زالت قائمة ولو بشكل متقطع، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، لتدخل عامها الثالث. تُضاف إلى ذلك، بؤر التوتر الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، وخاصةً في إيران، والأوضاع غير المستقرة في عدد من الدول الإفريقية، والتوترات المتقطعة بين الهند وباكستان، والوضع المعقد في أفغانستان، والتوترات في منطقة الكاريبي.
وبطبيعة الحال، تُلقي هذه الظروف بظلالها على توقعات الاقتصاد العالمي في عام 2026. وعلى الرغم من أن هناك أزمات اقتصادية محتملة خلال الـ12 شهراً المقبلة، يتصدرها تنامي النزعة الحمائية على السياسات التجارية للدول، وازدياد أعباء الديون الحكومية، واحتمالات انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي؛ فإن الأوضاع الجيوسياسية تبقى هي ذات التأثير الأكبر، سواءً بشكل منفرد أم من خلال دورها أيضاً في تأجيج تلك الأزمات الاقتصادية وغيرها. وفي ظل هذه الظروف، لن يكون هناك الكثير من الخيارات المتاحة أمام الاقتصاد العالمي، وستكون سيناريوهات أدائه المتوقع محدودة للغاية؛ بل قد يكون أفضل هذه السيناريوهات مراً.
ظروف انتقالية وتوترات مزمنة:
يمر الاقتصاد العالمي، منذ أكثر من عامين، بمرحلة انتقالية، بدأت إرهاصاتها منذ بداية انحسار آثار التعافي من تداعيات جائحة “كوفيد19”. وهذا التعافي كان في معظمه عملية تصحيحية آلية، وعبر قوة الدفع الذاتي التي اكتسبها الاقتصاد، بعد الهبوط العميق في مجمل مؤشراته خلال فترة الجائحة. ويعني ذلك أنه لم يكن للسياسات الحكومية دخل في العملية التصحيحية الإيجابية لمؤشرات الاقتصاد العالمي خلال سنوات ما بعد الجائحة؛ فعلى العكس تماماً، بدأ التصحيح مع إزالة القيود الحكومية ووقف تطبيق السياسات الاستثنائية التي تم تبنيها خلال الجائحة، لا سيّما أن تبني تلك السياسات كان يحركه الخوف والتشاؤم المفرط، وكان الاقتصاد بين أكبر المتضررين منها.
لذلك وبعد رفع القيود، شهد الاقتصاد العالمي طفرة نمو كبيرة، خصوصاً في عام 2021. لكن بداية من الربع الثاني من عام 2022، دخل الاقتصاد مرحلة حرجة جديدة، دفعه إليها العديد من التغيرات في المشهد الجيوسياسي العالمي، وكان اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في فبراير 2022، بمثابة الشرارة الأولى لها؛ ومثلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، منذ أكتوبر 2023، إضافة كبيرة لتلك الكفة الثقيلة من الأعباء. فالحربان أدتا إلى أزمات واختناقات كبيرة في سلاسل التوريد العالمية، ودفعتا نحو حالة من الشقاق في هيكل التجارة الدولية ومجمل المشهد الاقتصادي العالمي، الذي سيطرت عليه ديناميكيات اقتصاديات الحروب والنزاعات الدولية. وقد أضافت عودة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض في ولاية رئاسية ثانية مع بداية عام 2025، وقوداً جديداً لحالة الاستقطاب الدولي، وكان لذلك وقع خاص على الاقتصاد العالمي؛ نظراً لسياسات ترامب التجارية الحمائية.
حمائية متزايدة وفقاعات مُحتملة:
شهد النصف الأول من عام 2025 ما وصفه صندوق النقد الدولي بـ”العوامل المؤقتة”، التي كان من شأنها دعم أداء الاقتصاد العالمي، وتسريع وتيرة التجارة الدولية. وقد انعكس ذلك على توقعات الصندوق للنمو العالمي، والتي أصبحت متفائلة في بعض فترات العام. لكن ما لبثت تلك العوامل ذات التأثير الإيجابي أن انحسرت وزال تأثيرها فور فرض إدارة ترامب، في إبريل 2025، حزمة رسوم جمركية على منتجات العديد من الدول الأخرى؛ فقد اتسمت الرسوم الأمريكية الجديدة باتساع نطاقها، من ناحية المعايير الجغرافية والسلعية، كما اتسمت معدلاتها بالارتفاع الكبير في بعض الأحيان، فتراوحت نسبتها بين 10% و125%. وقد أثار ذلك حالة إرباك شديدة في التجارة الدولية، خصوصاً مع إقدام قوى اقتصادية أخرى، كالصين، على فرض رسوم جمركية انتقامية على المنتجات الأمريكية. وعلى الرغم من دخول الولايات المتحدة في مفاوضات تجارية مباشرة مع العديد من الدول، خُفضت على إثرها بعض التعريفات الجمركية، وأُجل تطبيق البعض الآخر؛ فإن المناخ الحاكم لمنظومة التجارة الدولية أصبح أكثر توتراً وانقساماً.
بجانب ذلك، هناك مخاطر آخذة في التزايد تهدد الاستقرار المالي العالمي، تتمثل في الارتفاع المتزايد في مستويات الديون الحكومية. فعلى الرغم من انخفاض الدين الخاص العالمي (ديون الأفراد والشركات) إلى أقل من 143% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كأدنى مستوى له منذ عقد تقريباً؛ فإنه في المقابل ارتفعت الديون الحكومية العالمية إلى نحو 111 تريليون دولار بنهاية عام 2025، لتبلغ ما يقرب من 94.7% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وإذا كان جزء من الدين الحكومي المرتفع ناتجاً عن استمرار تحمل الموازنات الحكومية بعض التكاليف الموروثة منذ جائحة “كوفيد19″، كالدعم والمزايا الاجتماعية؛ فهذا لا ينفي أن هناك دوراً لارتفاع أسعار الفائدة، كما لا يمكن إغفال دور السياسات المالية غير المنضبطة من قِبل بعض الحكومات، وخصوصاً في الدول التي كانت تعاني في الأساس من أزمات مالية قبل جائحة كورونا. وعلى الرغم من أن بعضاً من هذه الدول استفاد من آليات الدعم المالي التي تبنتها المؤسسات الدولية إبان الجائحة؛ فإنها ظلت في وضع مالي متردٍّ، وزاد من هذا التردي استمرارها في تبني سياسات مالية عديمة الكفاءة، إلى أن سجلت ديونها مستويات باتت معرقلة للدورة الاقتصادية في بلدانها، بل ووصلت إلى مستوى من التهديد يطال الدورة الاقتصادية العالمية ككل.
بالإضافة إلى ذلك، فإن أسعار الأصول الخطرة العالمية، بما فيها الأصول المشفرة، وصلت إلى مستويات أعلى من مستوى الأساسيات الاقتصادية؛ بما يرفع مخاطر حدوث تصحيحات حادة في أسواقها. كما أن الأعوام الأخيرة شهدت توسعاً عالمياً غير مسبوق في الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي؛ الأمر الذي أدى إلى طفرة غير مسبوقة في الأصول وحجم الأعمال والشركات الكبيرة والناشئة المرتبطة بهذا القطاع، ويبدو أن هذا التوسع أخذ منحى مفرطاً، وبما لا يتناسب مع حاجة الاقتصاد العالمي إليه. فقد تم تقدير حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمية بنحو 294.2 مليار دولار في عام 2025، ويُتوقع نموه إلى 375.9 مليار دولار في عام 2026، وأن يواصل نموه السنوي بمعدل 26.6% حتى عام 2034، ليقترب من 2.5 تريليون دولار. وهناك بعض المعطيات السلبية التي تشير إلى أن هذا القطاع يعاني بعض التأزم، فقد شهدت الشهور الماضية، وفق بنك “غولدمان ساكس”، انخفاضاً في متوسط ترابط أسعار الأسهم بين شركات الذكاء الاصطناعي المدرجة في البورصات الدولية من 80% إلى 20%؛ وهو ما يشير إلى تراجع ثقة المستثمرين في أن استثمارات الذكاء الاصطناعي تحقق فوائد مالية.
بجانب ذلك، أدت استثمارات شركة “مايكروسوفت” في شركة “أوبن إيه آي” إلى خسائر تجاوزت 3 مليارات دولار. وأعلنت شركة “ميتا” ارتفاعاً سريعاً في نفقاتها بسبب استثماراتها في الذكاء الاصطناعي؛ ما أدى إلى هبوط سهمها بنسبة 9%. ووفق تقرير لشركة “ماكينزي”؛ فإن نحو 80% من الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي اكتشفت أن التقنية لم يكن لها أي تأثير كبير في أرباحها.
يُضاف إلى ذلك، أن هناك بعض الظواهر المقلقة القائمة في هذا القطاع، وهي الطبيعة الدائرية لبعض الاستثمارات. فمثلاً، وافقت “أوبن إيه آي” على دفع 300 مليار دولار لشركة “أوراكل” من أجل سعة حوسبة جديدة، بينما تدفع “أوراكل” عشرات المليارات لشركة “إنفيديا” لشراء شرائح دقيقة لتركيبها بأحد مراكز بيانات “أوبن إيه أي”، في حين وافقت “إنفيديا” على استثمار نحو 100 مليار دولار في “أوبن إيه آي” أثناء نشرها شرائح “إنفيديا”. وهذه الطبيعة الدائرية تعيد إلى الأذهان أزمة انهيار العملات المُشفرة في عام 2022، الذي غذته حلقة مدفوعات دائرية مشابهة؛ فقد تبين أن منصة “إف تي إكس” (FTX) للعملات المُشفرة التي انهارت آنذاك، تعود ملكيتها إلى الشخص نفسه مؤسس صندوق تحوط “ألاميدا ريسيرش” (Alameda Research)، وكانت المنصة والصندوق يدعمان بعضهما بعضاً؛ بحيث تشتري “ألاميدا” العملة المُشفرة الخاصة بـ”إف تي إكس”، ثم تقرض الأخيرة “ألاميدا” أموالاً من حسابات عملائها.
وفي ظل تنامي تلك المخاوف، شهدت نهاية عام 2025 تزايداً كبيراً في نبرة التشاؤم حيال آفاق الاقتصاد العالمي، وتعالت التحذيرات من أن تمثل الديون الحكومية المتزايدة، وأسعار الأصول الخطرة، والاستثمار المتصاعد في الذكاء الاصطناعي؛ فقاعات يهدد انفجارها الاقتصاد العالمي ككل. ووفق صندوق النقد الدولي، فإن مواطن الضعف هذه تعزز بعضها بعضاً؛ ومن ثم فإن حدوث انخفاض مفاجئ في أسعار الأصول، وحدوث خلل ما في مؤشرات الدين الحكومي؛ من شأنه زيادة حدة انتقال آثار الصدمات عبر النظام المالي العالمي كله. وقد تطرق تقرير صادر عن الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، في نوفمبر 2025، إلى هذا الأمر، معتبراً أن الدين الحكومي العالمي الكبير والمتزايد بوتيرة أسرع مما كان قبل الجائحة، يعتبر الفقاعة الأخطر. كما حذر التقرير من أنه في حال انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي؛ فقد تتعثر أو تفشل العديد من الشركات، وقد يتكبد داعموها خسائر فادحة.
سيناريو التباطؤ:
في ظل تلك الظروف، كان من المنطقي أن تأتي توقعات صندوق النقد الدولي، الصادرة في أكتوبر 2025، متشائمة، بترجيحها استمرار تباطؤ النمو العالمي، وتراجعه من 3.3% في عام 2024 إلى 3.2% في عام 2025، ثم هبوطه إلى 3.1% في عام 2026. لكن في حقيقة الأمر، فإن ما شهدته الأيام الأولى من العام الجديد لا بد أنه يزيد الأمور سوءاً؛ إذ أصبح الأمر لا يقتصر على ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع بشأن الفقاعات الثلاث المشار إليها سابقاً؛ بل اتسع لتُضاف إليه توترات جيوسياسية دولية لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ نهاية الحرب الباردة على أقل تقدير، بل قد يكون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فما إن انتهى الاقتصاد العالمي من حصر تركة أعبائه في نهاية عام 2025، والتي كان سيحملها معه لعام 2026، حتى أقدمت الولايات المتحدة على خطوة استثنائية، باعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، كما أنها هددت بفعل مماثل ضد رؤساء دول آخرين. بالإضافة إلى ذلك، شهدت بداية العام الحالي اندلاع احتجاجات واسعة في إيران، وتلويحاً أمريكياً بالتدخل؛ إذا أخذت التطورات الإيرانية منحى معيناً. وهذه التطورات المستجدة تجعل مشهد الاقتصاد العالمي أكثر ارتباكاً، خصوصاً أنها تجعل العالم يعيش ظروفاً تشبه كثيراً الظروف التي تسبق الحروب العالمية الكبرى؛ ومن ثم، فإذا كانت الديون الحكومية المتضخمة، والارتفاعات الاستثنائية في أسعار الأصول الخطرة، والاستثمار الكبير في الذكاء الاصطناعي؛ تمثل جميعها فقاعات محتملة يهدد انفجار أي منها استقرار الاقتصاد العالمي، ويقوده إلى موجة ركود تشبه ما حدث بعد الأزمة المالية العالمية لعام 2008؛ فإن تحول التوترات السياسية العالمية الراهنة إلى حروب واسعة، يجعل الركود الاقتصاد العالمي حلماً منشوداً للجميع.
وأمام ذلك، تجد دول العالم، ومنها دول الشرق الأوسط، نفسها مطالبة بمحاصرة أسباب حدوث تلك الفقاعات، وتحاشي انفجار أي منها، وصولاً إلى استيعاب تداعيات هذا الانفجار إذا حدث؛ ويكون ذلك من خلال مراجعة السياسات المالية، وإعادة تقييم الخطط الاستثمارية الكبرى، خصوصاً المرتبطة بالاقتصاد الجديد بما فيها الذكاء الاصطناعي. ولا يقتصر الأمر على ذلك، فلا بد من أن تتخذ الحكومات مخاوف اندلاع صراع دولي واسع النطاق على محمل الجد، وأن تحصن اقتصادها في مواجهة ذلك، ولكي تستعد للعيش لفترات قد تطول تحت “اقتصاد الحرب”؛ فإذا وقع الصراع ستكون استعدت له، وإن لم يقع فإنها ستكون قد زادت اقتصادها قوة ومتانة.




