اسعار واسواق

خريطة الثروة في فرنسا.. أين يعيش الأثرياء وما تكشفه جغرافيا الدخل؟


من قلب المدن الكبرى التي تستقطب الثروة والفرص، إلى أطراف البلاد التي تتراجع فيها الدخول وتضيق الآفاق، ترسم الجغرافيا الاقتصادية في فرنسا قصة غير متكافئة للتنمية.

وكشفت دراسة ديموغرافية–اقتصادية جديدة، تمتد على أكثر من ستة عقود، كيف أعادت التحولات البنيوية للاقتصاد الفرنسي توزيع أصحاب الدخول المرتفعة علي أنحاء فرنسا.

ووفقاً للدراسة التي أعدها المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية التابع لجامعة لوميير ليون 2، فإن الأثرياء وأصحاب الدخول المرتفعة في فرنسا ينحصرون أساسًا في باريس ومحيطها، ولا سيما في الضواحي الثرية مثل بولون-بيانكور ونانتير وفرساي، إضافة إلى عدد من المتروبولات الكبرى التي برزت مع صعود اقتصاد الخدمات، مثل بوردو ونانت وتولوزو مرسيليا وديجون وستراسبورغ ونيس فضلًا عن المدن والمناطق القريبة من الحدود السويسرية مثل آنسي، حيث ساهم القرب من جنيف وازدهار الخدمات المالية والوظائف عالية التأهيل في تعزيز تمركز الثروة والدخول المرتفعة.

وأشارت الدراسة إلي أنه من المراكز الحضرية التي تتركز فيها الدخول المرتفعة، إلى المناطق الطرفية التي يكاد الأثرياء يختفون منها، تروي خريطة توزيع الأسر الأكثر ثراءً في فرنسا قصة فريدة عن اللامساواة.

وأوضحت الدراسة أنه من خلال تتبع هذا التوزيع منذ عام 1960، تسلط دراسة حديثة الضوء على الآثار المكانية للتحولات الهيكلية التي عرفها الاقتصاد الفرنسي، وعلى التوترات الاجتماعية والسياسية التي لا تزال تغذيها هذه التحولات.

واعتبرت الدراسة أن تقليص الفجوات بين الأقاليم هدف متكرر للسياسات العامة في فرنسا وأوروبا على حد سواء، وقد جعل الاتحاد الأوروبي من هذا المبدأ ركيزة أساسية، نص عليها في المادة 174 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، التي تنص على “تقليص الفوارق بين مستويات التنمية في مختلف المناطق.

غير أن هذا الهدف بات اليوم موضع اختبار حقيقي. فخلال العقود الأخيرة، تعزز في فرنسا شعور متزايد بالانقسام الإقليمي: قلة من المدن الكبرى تستحوذ على الوظائف المؤهلة ومقار الشركات والخدمات المتقدمة، مقابل مساحات شاسعة تشهد تراجعًا صناعيًا، وهجرة للشباب، وجمودًا في الدخل.

هذه الاختلالات الاقتصادية ليست بلا تبعات اجتماعية أو سياسية. فمن ساحات احتجاج “السترات الصفراء” إلى الخرائط الانتخابية التي تعكس ارتفاع نسب العزوف عن التصويت أو صعود الأحزاب المتطرفة، يتضح أن الغضب الاجتماعي له جغرافيا محددة. وحيثما تتقلص الفرص الاقتصادية، يتجذر الإحساس بالظلم ويبرز سؤال جوهري: ماذا يحدث للمجتمع عندما تنحصر فرص النجاح في عدد محدود من المناطق؟

مؤشر أدق لفهم التفاوتات

فهم هذه الظواهر يقتضي قياسها بدقة. غير أن المؤشرات الشائعة، كالناتج المحلي الإجمالي للفرد أو متوسط الدخل، غالبًا ما تُخفي حقيقة الفوارق الإقليمية، لأنها لا تراعي البنى الاجتماعية المختلفة. فبعض المناطق تجمع بين أسر غنية وأخرى فقيرة، بينما تتسم مناطق أخرى بتجانس طبقي نسبي. من هنا، تصبح توزيعات الدخل عنصرًا محوريًا لفهم الديناميات المحلية.

في دراسة مرتقبة النشر في “جورنال أوف إيكونومي جيوجرافي”، اعتمد الباحثون قاعدة بيانات غير مسبوقة توثق توزيع الأسر الضريبية التي تنتمي إلى أعلى 10% وأعلى 1% من حيث الدخل في أقسام فرنسا القارية منذ عام 1960. وقد أتاح هذا العمل، المعتمد على أرشيفات وزارة المالية، رؤية ممتدة لأكثر من نصف قرن حول جغرافيا الثروة في فرنسا.

ويقدم الباحثون مؤشرًا بسيطًا لكنه غني بالدلالة: حصة ذوي الدخول المرتفعة جدًا (أعلى 1%) وذوي الدخول المرتفعة (من 10% إلى 1%) من السكان المحليين. ويمكن تفسير هذا المؤشر على أنه احتمال انتماء الفرد إلى فئة ميسورة تبعًا للإقليم الذي يعيش فيه.

من خط كاين–آنسي إلى تمركز المتروبولات

في عام 1960، كانت خريطة الدخول المرتفعة جدًا تتشكل بوضوح حول خط كاين–آنسي. جنوب هذا الخط، كانت نسب الأثرياء ضعيفة للغاية، بينما تزايدت شمالًا، لا سيما في منطقة باريس.

بعد ثلاثين عامًا، تلاشى هذا التقسيم، وبرزت أقطاب جديدة قرب الحدود السويسرية وعلى الساحل المتوسطي، إلى جانب مدن كبرى في الجنوب الغربي.

أما في عام 2019، فقد أصبحت القطيعة أكثر حدة: غابت الدخول المرتفعة جدًا عن معظم مناطق «القطر الفارغ»، بينما انحصرت في عدد محدود من المتروبولات الكبرى ومنطقة باريس الكبرى، حيث بلغ التفاوت ذروته بين العاصمة وضواحيها.

منذ نهاية التسعينيات: مسارات متباعدة

ويظهر مؤشر “ثايل” لقياس اللامساواة أن الفوارق الإقليمية تقلصت خلال أربعة عقود، قبل أن تعاود الاتساع بقوة منذ أواخر التسعينيات. ففي غضون عشرين عامًا، تضاعفت ثلاث مرات درجة التركّز الجغرافي للدخول المرتفعة جدًا، في دلالة واضحة على عودة قوية للتفاوتات الإقليمية.

أثر نزع التصنيع

وتفسر هذه التحولات بمرحلتين أساسيتين. في الستينيات، ارتبطت الثروة بتمركز النشاط الصناعي، خصوصًا في الشمال الشرقي. ثم، بين 1960 و1990، تقاربت البنى الإنتاجية مع انتشار التصنيع في مناطق كانت زراعية.

لكن منذ التسعينيات، ومع تسارع نزع التصنيع وصعود الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، باتت الفرص الاقتصادية الكبرى متركزة في المتروبولات، حيث تتوافر الوظائف المؤهلة والبنى التحتية والسياسات الداعمة، كما في منطقة ساكلاي قرب باريس أو في محيط جنيف على الحدود السويسرية.

اقتصاد مستقطَب ومناطق متروكة

وتخلص الدراسة إلى أن اللامساواة الإقليمية لا تعود فقط إلى فروق في متوسط الدخل، بل إلى طريقة توزع الدخول الأعلى جغرافيًا. فمنذ مطلع الألفية، تتركز الفرص في عدد ضئيل من المناطق، في انعكاس لاقتصاد شديد الاستقطاب.

هذه الظاهرة، المعروفة دوليًا بمفهوم المناطق المتروكة، تمس أقاليم تشعر بأنها خارج دوائر النمو وصنع القرار، وتعبّر دوريًا عن إحساس عميق بالتهميش. ومن ثمّ، فإن تقليص هذه الفجوات ليس مجرد قضية كفاءة اقتصادية، بل ضرورة ديمقراطية.

وتؤكد هذه الدراسة، عبر استعراض تاريخ طويل، أن جغرافيا الثروة ليست قدرًا ثابتًا، بل نتاج سياسات وخيارات، ولا يمكن تصحيح مسارها من دون إرادة سياسية حقيقية.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=

جزيرة ام اند امز

NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى