«أورشنيك».. رسالة ردع روسية لأوروبا بسرعة 8 آلاف ميل

بعد أيام من اتفاق قادتها على تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا ما بعد الحرب، وجهت روسيا رسالة مباشرة إلى أوروبا، بإطلاق صاروخ داخل كيييف، قرب الحدود مع بولندا، قادر على حمل رؤوس نووية.
وصلت الرسالة «صارخة» عبر السماء بسرعة 8 آلاف ميل في الساعة، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز».
وفي وقت مبكر من صباح الجمعة، وللمرة الثانية فقط منذ العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أطلقت موسكو صاروخ «أورشنيك» القادر على حمل رؤوس نووية، وهو صاروخ باليستي متوسط المدى فرط صوتي كان محظورًا حتى وقت قريب بموجب معاهدة دولية.
وسقط الصاروخ على موقع عسكري في غرب أوكرانيا، وتسبب – بحسب التقارير – في أضرار محدودة، لم تتجاوز حفرتين غير مؤثرتين في الأرض المتجمدة. غير أن الهدف الحقيقي للهجوم، بحسب محللين ومسؤولين سياسيين، كان أبعد من ذلك بكثير: حلفاء أوكرانيا في أوروبا.
ويقع الموقع الذي تعرّض للقصف على بُعد نحو 40 ميلًا من الحدود مع بولندا، العضو في حلف شمال الأطلسي. وكانت بريطانيا وفرنسا، وهما أيضًا عضوان في الحلف، قد أعلنتا هذا الأسبوع استعدادهما لنشر قوات في أوكرانيا لضمان السلام بعد انتهاء الحرب.
وإذا ما نُفّذت هذه الخطوة، فمن المرجّح أن تتمركز تلك القوات في المنطقة نفسها التي استهدفتها روسيا يوم الجمعة، بحسب الصحيفة الأمريكية.
وأكدت موسكو مرارًا، بما في ذلك تصريحات أدلت بها المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية الخميس، أن أي قوات تابعة لـ«الناتو» على الأراضي الأوكرانية ستُعد هدفًا عسكريًا مشروعًا لروسيا. ومن خلال إطلاق صاروخ «أورشنيك»، الذي يغطي مداه معظم أنحاء أوروبا، أظهرت موسكو كيف يمكنها تنفيذ هذا التهديد داخل أوكرانيا وخارجها.
وزاد من وطأة الرسالة كون الصاروخ قادرًا على حمل رؤوس نووية، في وقت دفع فيه الدعم الأوروبي القوي لأوكرانيا الرئيس فلاديمير بوتين إلى القول إن أوروبا أعلنت فعليًا الحرب على روسيا.
سلاح ضد أوروبا
وقال سيرغي ماركوف، المحلل السياسي المقرّب من الكرملين: «صاروخ أورشنيك ليس سلاحًا للحرب ضد أوكرانيا، بل سلاح حرب ضد أوروبا»، مشيرًا إلى أن موسكو تستخدم بالفعل أنواعًا أخرى كثيرة من الأسلحة في هجماتها على أوكرانيا.
وقالت وزارة الدفاع الروسية إن الضربة جاءت ردًا على محاولة استهداف أحد مقار إقامة بوتين الشهر الماضي. غير أن مسؤولين أوكرانيين قالوا إن روسيا «اختلقت هذا الهجوم، في إطار نهج اعتادت فيه إيجاد مبررات لمواصلة ضرباتها كلما سارت محادثات السلام، التي تقودها الولايات المتحدة، في مسارات لا ترضي الكرملين».
ومهما يكن، أكد ماركوف ومحللون آخرون، أن ضربة الجمعة لم تكن مرتبطة فعليًا بأي هجوم على مقر رئاسي.
وأوضحوا أن الضربة ارتبطت مباشرة بالتعهدات الأمنية التي اتفقت عليها الحكومات الأوروبية في باريس مطلع هذا الأسبوع. فإلى جانب ما أعلنت عنه بريطانيا وفرنسا من نية إنشاء «مراكز عسكرية» داخل الأراضي الأوكرانية بعد توقف القتال، قالت ألمانيا إنها سترسل قوات إلى دول «الناتو» المحاذية لأوكرانيا.
وتُعد مثل هذه التعهدات شديدة الحساسية بالنسبة للكرملين، في ضوء المظالم التاريخية الروسية تجاه الغرب، ومخاوفه الأمنية من توسع «الناتو»، وإيمانه بمفهوم مناطق النفوذ التي تمنحه تأثيرًا خاصًا في أوروبا الشرقية.
وقال ماركوف: «لهذا السبب تم تنفيذ الضربة قرب الحدود مباشرة».
وفي تعليق مرحّب بالهجوم، قال ديميتري ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق، إن الضربة ينبغي أن تعيد خصوم روسيا إلى رشدهم، مشبّهًا إياها بحقنة من دواء مضاد للذهان.
وأشار بعض المحللين الروس إلى أن إطلاق «أورشنيك» حمل أيضًا رسالة إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وكان بوتين قد أكد مرارًا أن روسيا في موقع المنتصر في الحرب، وأن جيشه مستعد للقتال حتى تحقيق جميع أهدافه. ويريد الكرملين، بحسب هؤلاء المحللين، أن تفهم إدارة ترامب أن الحرب لن تنتهي إلا إذا ضغطت الولايات المتحدة وحلفاء أوكرانيا الأوروبيون على كييف لتقديم تنازلات.
وقد أشاد بوتين بصاروخ «أورشنيك» باعتباره رمزًا للقوة العسكرية الروسية والابتكار التكنولوجي، واصفًا إياه بأنه سلاح لا يمكن إيقافه في ترسانة موسكو. ويصل الصاروخ إلى سرعات تتجاوز «ماخ 10»، ولا تمتلك أوكرانيا أنظمة دفاع جوي قادرة على اعتراضه.
واعتبر مسؤولون أوروبيون وأوكرانيون استخدام الصاروخ «تصعيدًا خطيرًا» في حرب موسكو، في وقت تضغط فيه الولايات المتحدة لإنهاء النزاع. كما وصفوه بأنه تحذير موجه إلى أوروبا بأكملها، حيث يرى كثير من القادة أنه في حال سقوط أوكرانيا بيد روسيا، فقد تتبعها دول أخرى.
إنذار
وقال ديميتري ستيفانوفيتش، الباحث في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو، إن الضربة تمثل «تذكيرًا للقارة بأكملها بوجود خيار توجيه ضربة استراتيجية إلى أي هدف تقريبًا، مع إنذار محدود، وزمن طيران قصير، واحتمالات ضعيفة لاعتراضها».
وأضاف أن مستوى التهديد يتعاظم بسبب قدرة موسكو على إطلاق صواريخ باليستية متوسطة المدى من عدة مواقع، من بينها بيلاروسيا المجاورة.
وتستضيف بيلاروسيا، التي تُعد دولة تابعة لموسكو، أسلحة نووية تكتيكية روسية منذ ديسمبر/كانون الأول 2023. وفي الشهر الماضي، نشر الكرملين مقطع فيديو قال إنه يُظهر نشر منظومة «أورشنيك» في بيلاروسيا، ما أثار قلقًا بالغًا لدى جيرانها في «الناتو» — بولندا وليتوانيا ولاتفيا.
ويُعتقد أن الصاروخ الذي أُطلق يوم الجمعة انطلق من موقع آخر هو «كابوستين يار» قرب أستراخان جنوب غربي روسيا.
ويمكن لصاروخ «أورشنيك» حمل رؤوس تقليدية أو وهمية، إضافة إلى الرؤوس النووية. وقال تقييم أوكراني إن الرؤوس التي استُخدمت في هجوم الجمعة لم تكن تحتوي على متفجرات، في مؤشر على أن الهدف من الإطلاق كان توجيه رسالة سياسية بالأساس.
وأوضح العقيد رومان كوستينكو، أمين لجنة الدفاع والاستخبارات في البرلمان الأوكراني، أن الذخائر الفرعية التي أطلقها الرأس الحربي كانت «حركية»، أي تحتوي على كتل معدنية صلبة دون متفجرات، وتسببت بأضرار محدودة. غير أن سرعتها الفائقة جعلت تلك المعادن تحمل طاقة كافية لاختراق مبانٍ أو مركبات أو أجساد بشرية.
وكانت المرة الأولى التي أطلقت فيها موسكو صاروخ «أورشنيك» على أوكرانيا في نوفمبر 2024، ردًا على استخدام كييف صواريخ بعيدة المدى وفّرتها الولايات المتحدة وبريطانيا لضرب أهداف عسكرية داخل روسيا.
وفي تلك الضربة أيضًا، زوّدت روسيا الصاروخ برؤوس وهمية. وقال جيفري لويس، الخبير في شؤون الأسلحة النووية بكلية ميدلبري، إنه بدون الرؤوس النووية، يبدو «أورشنيك» محدود التأثير من الناحية العسكرية.
وأضاف أن استخدام منظومة باهظة الثمن — لا يُرجح أن تتمكن روسيا من إنتاج سوى عدد محدود منها سنويًا — لإحداث أضرار طفيفة، يؤكد أن الأثر العسكري كان ثانويًا مقارنة بـ«الفائدة السياسية» المتمثلة في محاولة ترهيب أوروبا.
وقال لويس: «بوتين يحاول التلاعب بإحساس المخاطر النووية لردع الغرب أو تثبيطه عن دعم أوكرانيا. لكن في كل مرة يُطلق فيها صاروخ أورشنيك، يفقد هذا السلاح شيئًا من قيمته الصادمة».
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز




