أمريكا وفنزويلا ما بعد مادورو.. تحديات على طريق عودة العلاقات الدبلوماسية

في مشهد يختصر التحولات البراغماتية في السياسة الأمريكية وحدود التصعيد، فتحت واشنطن وكاراكاس باب الدبلوماسية من جديد، بعد أيام فقط من عملية انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي.
خطوة بدت للوهلة الأولى متناقضة، لكنها تعكس منطق المصالح لا الشعارات، حيث تتقدم الحسابات الجيوسياسية والطاقة والردع الإقليمي على لغة العقوبات والقطيعة.
فالحديث عن إعادة فتح السفارات لا يعني طي صفحة الصدام، بقدر ما يكشف محاولة متبادلة لإدارة أزمة معقدة بأدوات أقل كلفة. الولايات المتحدة تختبر مسارًا تفاوضيًا يضمن نفوذها ويعيد ترتيب أوراقها في أمريكا اللاتينية، فيما تسعى فنزويلا، المثقلة بالعزلة والعقوبات، إلى كسر الطوق دون تقديم تنازلات جوهرية.
وبين الاعتقال والدبلوماسية، تتجلى علاقة محكومة بالتناقض: صراع مفتوح في العلن، وتواصل محسوب خلف الأبواب المغلقة.
فهل تعود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين؟
بعد أقل من أسبوع على اعتقال الولايات المتحدة رئيس فنزويلا في عملية نُفذت ليلًا، قالت كاراكاس إنها تدرس استعادة العلاقات الدبلوماسية وإيفاد وفد إلى واشنطن لتفقّد سفارتها المغلقة منذ فترة طويلة، وفق بيان صادر عن الرئيسة المؤقتة، ديلسي رودريغيز.
وقالت رودريغيز إن حكومتها وحكومة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قررتا «إطلاق مسار دبلوماسي استكشافي» يهدف إلى «إعادة إنشاء البعثات الدبلوماسية في كلا البلدين»، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز».
وأكدت متحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أن دبلوماسيين أميركيين زاروا، الجمعة، العاصمة الفنزويلية كاراكاس لتقييم «إمكانية» استئناف عمل السفارة، للمرة الأولى منذ نحو سبع سنوات.
وبدا أن هذه الإعلانات تمثل خطوات أولية حذرة فقط، في ظل علاقة تتغير يومًا بعد يوم بين البلدين، بحسب خبراء.
غير أن الحديث عن احتمال استعادة العلاقات الدبلوماسية لفت الأنظار، ليس فقط بسبب الوتيرة المتسارعة التي تتطور بها العلاقة بين واشنطن وكاراكاس، بل أيضًا بسبب التناقضات الصارخة التي تعكسها هذه الخطوة، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز».
فقد جاء ذلك في وقت قال فيه ترامب إنه يتعامل «بشكل ممتاز للغاية» مع الحكومة الفنزويلية، رغم أن هذه الحكومة هي تقريبًا نفسها التي كانت قائمة قبل أسبوع — باستثناء الرئيس نيكولاس مادورو — حين كان ترامب يشن حملة ضغوط مكثفة ضدها.
كما تزامن ذلك مع احتفال نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، بما وصفه «تمكين» الجيش الأمريكي من قبل ترامب لملاحقة عصابات المخدرات — وهي على الأرجح الجماعات نفسها التي قالت لائحة اتهام فيدرالية إنها عملت بشكل وثيق مع الحكومة الفنزويلية.
وزاد من حدة هذه التناقضات أن رودريغيز أعلنت الخطوة في بيان استهلته بإدانة «اختطاف» مادورو، والعملية الأمريكية التي قالت إنها أسفرت عن عشرات القتلى وشكّلت انتهاكًا صارخًا «للنظام القانوني الدولي».
وأضافت أن فنزويلا شرعت في «المسار الدبلوماسي الاستكشافي» من أجل «معالجة التداعيات الناجمة عن العدوان واختطاف رئيس الجمهورية والسيدة الأولى، وكذلك السعي إلى جدول أعمال عملي ذي اهتمام مشترك».
ويوم الجمعة نفسه، كان ترامب يحث مسؤولي شركات الطاقة الأمريكية على الإسراع في استغلال احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا، فيما اعترض الجيش الأمريكي ناقلة نفط أخرى تحمل شحنات فنزويلية.
وكانت السفارة الأمريكية في كاراكاس قد أغلقت مطلع عام 2019، بعدما طرد مادورو الدبلوماسيين الأمريكيين ردًا على اعتراف واشنطن بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا، عقب انتخابات وصفتها الولايات المتحدة بأنها غير ديمقراطية. وفي الوقت نفسه، أغلق مادورو السفارة الفنزويلية في واشنطن، وهي مبنى من الطوب يقع في حي جورجتاون.
وفي كاراكاس، تشغل السفارة الأمريكية مبنى واسعًا لكنه متواضع المظهر، أقرب إلى الطابع الوظيفي منه إلى الفخامة، في حي راقٍ على تلة. وكان المبنى في السابق يعج بطوابير طالبي التأشيرات الأمريكية، ويستضيف احتفالات معروفة بمناسبة عيد الاستقلال في الرابع من يوليو/تايمز، بمشاركة قوات المارينز. لكن لسنوات، ظل المبنى مظلمًا.
تحديات عملية
وقال إليوت أبرامز، المبعوث الأمريكي السابق إلى فنزويلا في إدارة ترامب الأولى، إن إعادة فتح السفارة ليست مجرد مسألة «الضغط على مفتاح»، بل تطرح تحديات عملية — من العفن الذي قد يكون انتشر بفعل المناخ الرطب في كاراكاس، إلى سلامة الدبلوماسيين — فضلًا عن إشكالات قانونية محتملة.
وأضاف أن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع فنزويلا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعترف الآن بديلسي رودريغيز رئيسةً شرعية للدولة.
وتساءل: «إذا كانت ديلسي رودريغيز، التي عينها مادورو نائبة للرئيس، هي الرئيسة المؤقتة الشرعية، فهل يعني ذلك أنكم تعتبرون نيكولاس مادورو رئيسًا شرعيًا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف سينعكس ذلك على محاكمته؟»
وأضاف أبرامز: «هل يتمتع بحصانة رئيس الدولة؟»، في إشارة إلى مبدأ في القانون الدولي يحمي القادة الحاليين من الملاحقة الجنائية أمام محاكم أجنبية.
وأشار خبراء قانونيون إلى أن الولايات المتحدة سبق أن حافظت، في بعض الحالات، على علاقات دبلوماسية مع دول من دون الاعتراف بشرعية قادتها.
ووفق المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، وصل دبلوماسيون وعناصر أمن من وحدة الشؤون الفنزويلية التابعة للسفارة الأمريكية في كولومبيا، بينهم القائم بالأعمال جون تي. ماكنمارا، إلى كاراكاس، الجمعة، «لإجراء تقييم أولي لاحتمال استئناف العمليات بشكل تدريجي».
خطوات أمريكية
وأظهرت بيانات تتبع الرحلات أن طائرتين مسجلتين في الولايات المتحدة توجهتا إلى فنزويلا هذا الأسبوع قادمتين من كولومبيا والولايات المتحدة، مع توقف في جزيرة كوراساو.
ولم ترد الحكومة الفنزويلية فورًا على طلب للتعليق على الإعلان أو على سؤال بشأن هوية أعضاء الوفد الذي قد يتوجه إلى واشنطن. غير أن وزير الإعلام في حكومة رودريغيز، فريدي نانيز، قال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن الرئيسة المؤقتة نفسها لا تخطط لمغادرة البلاد، وستركز على الشؤون الداخلية.
وفي وقت لاحق الجمعة، نشرت رودريغيز رسالة قالت فيها إنها تحدثت مع قادة يساريين في أمريكا اللاتينية وإسبانيا بشأن «الهجمات المسلحة على أراضينا»، وكذلك حول ما وصفته بـ«ضرورة المضي قدمًا في أجندة واسعة للتعاون الثنائي».
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز




