اسعار واسواق

بنية عملاقة تلتهم الطاقة والموارد


أكدت الخبيرة التقنية وردة بايليش برشاد أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يعد مفهوما رقميا مجردا كما يُسوَّق له، بل بات بنية تحتية مادية ضخمة تستهلك الطاقة والمياه والموارد الطبيعية بوتيرة متسارعة.

وحذرت برشاد من أن توظيف الذكاء الاصطناعي دون وعي استراتيجي قد يحوّله إلى عامل مضاعف للأزمة المناخية بدلا من أن يكون جزءا من الحل.

وفي حوار خاص مع “العين الإخبارية”، شددت برشاد، رئيسة المكتب الاستشاري الدولي المتخصص في البيانات والذكاء الاصطناعي BAULD، ومؤلفة لعدة كتب، من بينها «الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي»، ومحاضِرة دولية في استراتيجيات البيانات والذكاء الاصطناعي الأخلاقي، وخبيرة في التحول الرقمي، على ضرورة تفكيك «أسطورة اللامادية الرقمية»، معتبرة أن ما يسمى بـ«السحابة» يقوم في الواقع على مراكز بيانات عملاقة وكابلات بحرية وخوادم تستهلك موارد هائلة.

كيف تنظرين إلى التأثير البيئي الحقيقي للذكاء الاصطناعي؟

لفهم التأثير الحقيقي، علينا أولا الخروج من أسطورة «اللامادية»، لأن الذكاء الاصطناعي ليس كيانا افتراضيا، بل بنية تحتية مادية ضخمة، وكل سطر برمجي، وكل صورة مولدة، له جسد حقيقي، وهو خوادم ومراكز بيانات وكابلات تستهلك الطاقة وتستنزف الموارد. من موقعي كاستراتيجية، أراه منظومة صناعية كاملة، لا فكرة مجردة.

أين يكمن الاستهلاك الأكبر للطاقة في دورة حياة الذكاء الاصطناعي؟

هناك مرحلتان واضحتان، المرحلة الأولى هي مرحلة «الإيقاظ» أو التدريب، وهي الأعلى كثافة من حيث استهلاك الطاقة، إذ تتطلب تشغيل آلاف العمليات الحسابية لأشهر. على سبيل المثال، تدريب نموذج بحجم GPT-3 أنتج انبعاثات كربونية تعادل مئات الرحلات الجوية بين باريس ونيويورك.

أما الثانية فهي مرحلة الخدمة أو الاستدلال، وهنا يصبح التحدي ممنهجا، لأن كل استخدام يومي يراكم استهلاكا مستمرا. كل طلب موجه إلى ذكاء اصطناعي توليدي يستهلك طاقة تفوق بحثا تقليديا على الإنترنت بنحو عشرة أضعاف، وهو ما أسميه «تضخم الطاقة المعرفية».

هل يمكن قياس البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي بدقة؟

نعم، يمكن القياس، لكن السؤال الأهم هو: ماذا نختار أن نقيس؟ فحاليا، تستهلك مراكز البيانات ما بين 1 و2% من الكهرباء العالمية. لكن هذا الرقم لا يكفي. أنا أعمل وفق ما أسميه ثالوث الأثر: البصمة الكربونية، وهي الجزء المرئي ويمكن قياسه بدقة، والبصمة المائية، وهي النقطة العمياء، إذ تتطلب مراكز البيانات كميات هائلة من المياه للتبريد. محادثة واحدة من 20 إلى 50 سؤالا مع ذكاء اصطناعي قد تعادل استهلاك زجاجة مياه سعة نصف لتر. والبصمة المادية، وتشمل المعادن النادرة والعمر القصير للمعدات بسبب تسارع تقادم رقائق الذكاء الاصطناعي.

ما القطاعات الأكثر تأثرا بهذه التحولات؟

هناك ثلاثة قطاعات في الواجهة. أولا قطاع الطاقة، الذي يواجه طلبا غير مسبوق على الكهرباء، والقطاع الثاني التكنولوجيا، الذي بات مضطرا للانتقال من سباق القوة إلى سباق الكفاءة. وثالثا قطاع الخدمات، خاصة التمويل والإعلام، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أكبر عنصر في البصمة الكربونية الرقمية. لكن الخطر لا يقتصر على البيئة، بل يمتد إلى البعد الثقافي والاجتماعي، مع انتشار نماذج ذكاء اصطناعي بلا جذور ثقافية محلية.

كيف يمكن تحقيق توازن بين الابتكار والاستدامة؟

التوازن يبدأ باستراتيجية واضحة وتدقيق ثلاثي يشمل الكربون والمياه والمعادن النادرة، وإعطاء الأولوية للنماذج اللغوية الصغيرة والمتخصصة والمستضافة محليا، وإدراج بنود «خضراء» في عقود الحوسبة السحابية تحدد سقف الاستهلاك الطاقي، وفرض حلول دائرية، مثل إعادة استخدام حرارة مراكز البيانات لتدفئة المدن، وتعزيز الشفافية والمسؤولية عبر مواثيق «تقنية من أجل الخير».

كيف ترين مستقبل الذكاء الاصطناعي في ظل التغير المناخي؟

الذكاء الاصطناعي هو مضاعف. إذا أُدير بمنطق الأداء فقط، فسوف يفاقم الأزمة المناخية. أما إذا وُجّه بذكاء أخلاقي وحس استراتيجي، فيمكن أن يصبح رافعة للحل، بل «جهازا مناعيا» للكوكب، من خلال بنى حوسبة واعية بالكربون ومتزامنة مع توفر الطاقة المتجددة.

ما النصيحة الأهم لصناع القرار؟

أوصي بالانتقال من منطق السرعة إلى منطق الدقة. الابتكار الأعمى دين ثقيل على الأجيال القادمة. كما أدعو الحكومات إلى اعتماد تدقيق للسيادة الثقافية، لحماية المجتمعات من نماذج ذكاء اصطناعي بلا هوية تُفرغ المعرفة المحلية من معناها.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى