اسعار واسواق

من تعزيز الردع إلى كسره.. الذكاء الاصطناعي «سلاح ذو حدين» بالحروب


في سباق التسلح التكنولوجي المتسارع، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة دعم عسكري، بل تحول إلى عامل حاسم يعيد تشكيل مفاهيم الردع والحرب.

لكن بينما يُنظر إليه كرافعة لتعزيز التفوق والردع الاستراتيجي، يكشف الوجه الآخر لهذه التكنولوجيا عن قدرة مقلقة على التشويش والتضليل وتقويض الثقة في القرار العسكري، ما يجعله «سلاحًا ذا حدين» قد يحمي الاستقرار أو يفتح الباب أمام صراعات أكثر خطورة.

واستطاع الذكاء الاصطناعي خلال فترة زمنية قصيرة أن يكون عنصرًا مركزيًا في منظومات الأمن القومي الحديثة. فالجيوش حول العالم باتت تعتمد على نماذج ذكية لفرز صور الأقمار الصناعية، وتقييم قدرات الخصوم، وصياغة توصيات بشأن توقيت ومكان وكيفية استخدام القوة.

ومع تسارع تطور هذه الأنظمة، يلوح في الأفق تحول عميق في طريقة استجابة الدول للتهديدات. غير أن الوجه الآخر لهذا التحول يتمثل في خطر تقويض أحد أكثر أعمدة الاستقرار الاستراتيجي رسوخًا: الردع.

ويقوم الردع الفعّال على ركيزتين أساسيتين: القدرة على إلحاق أذى غير مقبول بالخصم، والاستعداد الموثوق لاستخدام هذه القدرة عند الضرورة.

ومن حيث الظاهر، يعزّز الذكاء الاصطناعي بعض عناصر هذه المصداقية، إذ يتيح استخبارات أدق، وتقييمات أسرع، وقرارات أكثر اتساقًا، بما يسمح بإيصال أوضح لقدرات الدولة وعزمها.

لكن في المقابل، يستطيع الخصوم استخدام الأدوات نفسها لتقويض هذه الأسس، عبر تسميم بيانات تدريب النماذج أو شن عمليات تأثير مدعومة بالذكاء الاصطناعي تستهدف صانعي القرار والرأي العام معًا.

وفي أزمات عالية المخاطر، قد يؤدي هذا التلاعب إلى تشويه الإدراك الاستراتيجي، بل إلى شلل في عملية صنع القرار. فالأنظمة التي يُفترض أن تمنح القادة وضوحًا أكبر قد تصبح، إذا جرى اختراقها أو توجيهها، مصدرًا للضباب والارتباك.

سيناريو الأزمة.. «أداة تضليل»

يبرز هذا الخطر بوضوح في سيناريو افتراضي تُقدِم فيه الصين على فرض عقوبات اقتصادية شاملة على تايوان، مصحوبة بمناورات عسكرية واسعة حول الجزيرة. في هذه الحالة، يلجأ مسؤولو الدفاع الأمريكيون إلى أنظمة ذكاء اصطناعي لدعم صياغة الرد.

غير أن هذه الأنظمة تكون قد تعرضت مسبقًا لعمليات تأثير صينية هدفت إلى تسميم بيانات التدريب ومدخلاتها الأساسية.

نتيجة لذلك، تبالغ النماذج في تقدير القدرات العسكرية الصينية، وتقلّل من جاهزية الولايات المتحدة، فتنتج تقييمًا منحازًا يثني القادة عن التعبئة أو التحرك الحاسم.

بالتوازي، تُطلق حملات تأثير رقمية مدعومة بمحتوى زائف مولّد بالذكاء الاصطناعي عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما يؤدي إلى تآكل دعم الرأي العام الأمريكي لأي تدخل عسكري محتمل.

في ظل هذا التشويش، يجد القادة الأمريكيون أنفسهم عاجزين عن تفسير استخباراتهم بدقة أو قياس المزاج العام الحقيقي، فيخلصون إلى أن التحرك يحمل مخاطر سياسية واستراتيجية مفرطة.

هنا، لا يعود الردع عامل كبح، بل يتحول إلى فراغ تستغله بكين.

من الردع إلى الانكشاف

تلتقط الصين هذه الإشارات، فتنتقل إلى حصار كامل لتايوان وتبدأ ضربات بطائرات مسيّرة. في الوقت ذاته، تُغرق الفضاء المعلوماتي بمقاطع مزيفة لمسؤولين أمريكيين يوحون باستعداد واشنطن للتخلي عن تايوان، وباستطلاعات رأي ملفّقة تُظهر انهيار الدعم الشعبي، وبشائعات عن تراجع الولايات المتحدة.

في هذا السياق، كان من الممكن لإشارات ردع أمريكية موثوقة أن تمنع التصعيد، لولا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المسمومة والمزاج العام المشوَّه أقنعت صناع القرار بالعكس.

وبدل أن يعزّز الذكاء الاصطناعي الردع، ساهم في تقويض مصداقيته، وفتح الباب أمام العدوان.

الردع في عصر الذكاء الاصطناعي

ويظل الردع مرهونًا باعتقاد الخصم بأن الدولة المدافِعة قادرة ومصمّمة على إلحاق تكاليف جسيمة إذا ما تم تحدّيها. بعض عناصر القوة مرئية، لكن عناصر أخرى—كالجاهزية ومستويات التعبئة—يصعب قياسها من الخارج. أما العزم، فيبقى الأكثر غموضًا، إذ لا يعرف مداه الحقيقي سوى القادة أنفسهم.

من هنا، تعتمد فعالية الردع على القدرة على إرسال إشارات موثوقة عن القدرة والاستعداد.

تاريخيًا، عززت الإجراءات العسكرية المكلفة—كإعادة تموضع القوات أو رفع الجاهزية—مصداقية الردع، لأنها تتطلب موارد ومخاطر سياسية حقيقية.

كما أسهمت الضغوط السياسية الداخلية في الديمقراطيات في ترسيخ هذه المصداقية، إذ يدفع القادة ثمنًا سياسيًا إذا أطلقوا تهديدات ثم تراجعوا عنها. وغالبًا ما يجعل هذا العامل تهديدات الديمقراطيات أكثر إقناعًا من نظيراتها في الأنظمة الاستبدادية.

وتلعب السرعة دورًا حاسمًا أيضًا، إذ تزداد مصداقية الردع عندما يُنظر إلى الدولة على أنها قادرة على التحرك بسرعة وبشكل شبه تلقائي.

الذكاء الاصطناعي رافعة للردع «نظريًا»

ظاهريًا، يبدو الذكاء الاصطناعي أداة مثالية لتعزيز الردع. فبفضل قدرته على معالجة كميات هائلة من البيانات، يمكنه توفير استخبارات أدق، وتسريع صنع القرار، وتوضيح الإشارات الاستراتيجية.

وقد ظهر ذلك في الحرب الأوكرانية، حيث ساعدت أدوات الذكاء الاصطناعي الجيش الأوكراني على تحليل صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، وتتبع تحركات القوات الروسية، وجمع البيانات من مصادر متعددة لبناء صورة عملياتية أكثر شمولًا.

كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسّن إيصال الإشارات بين الخصوم، عبر نقل الإجراءات المكلفة بسرعة ووضوح، وتقليل مخاطر سوء الفهم.

ومن خلال تتبع الرأي العام في الزمن الحقيقي، تستطيع الدول الديمقراطية إظهار أن تهديداتها مدعومة بتأييد سياسي حقيقي، وهو ما يمكن للخصوم التحقق منه عبر أدواتهم الخاصة.

القوة والهشاشة.. الوجه المزدوج للتكنولوجيا

لكن الأدوات نفسها التي تعزز الردع يمكن أن تجعله هشًّا. فإذا جرى التلاعب بأنظمة الذكاء الاصطناعي، قد يجد القادة أنفسهم غير واثقين من قدراتهم أو من عزمهم الحقيقي. ويمكن للخصوم، عبر الجمع بين عمليات التأثير وتسميم النماذج، إعادة تشكيل البيئة المعلوماتية للدولة بطرق تضرب الردع في صميمه.

لقد جعل الذكاء الاصطناعي التوليدي عمليات التأثير أكثر فاعلية عبر تحسين الاستهداف، وصناعة شخصيات رقمية تبدو أصيلة، وتخصيص المحتوى للأفراد. فبعد أن كانت الدعاية الموجّهة تعتمد على شرائح عامة، بات بالإمكان اليوم استهداف الأفراد أنفسهم على نطاق واسع.

وتستطيع هذه «الشخصيات الاصطناعية» أن تتغلغل في المجتمعات الرقمية، وتؤجج الانقسامات، وتضخّم روايات كاذبة إلى حد يجعلها تبدو حقيقية أو، على الأقل، يخلق ارتباكًا كافيًا لتقويض الإجماع العام.

وفي الديمقراطيات، حيث يشكّل المزاج العام عنصرًا محوريًا في مصداقية الردع، يمكن لهذا التشويه أن يضعف إشارات العزم ويغذّي التردد السياسي.

ضباب معرفي جديد للحرب

إلى جانب التأثير في الرأي العام، يبرز خطر أكثر خفاءً: تسميم نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها. فمن خلال التلاعب ببيانات التدريب أو بخطوط التحليل، يمكن للخصوم تشويه فهم الدولة لقوتها النسبية أو لإلحاحية التهديد. وقد يؤدي ذلك إلى ثقة مفرطة أو تردد مفرط—وكلاهما يقوّض الردع.

إن تسميم النماذج يشكّل شكلًا دقيقًا وخطيرًا من حرب المعلومات، إذ يعبث بالأدوات التي يُفترض أن تمنح القادة وضوحًا. وفي أوقات الأزمات، قد يقود هذا التشويه إلى سوء حسابات كارثية.

الاستباق في زمن الذكاء الاصطناعي

وكان يُفترض أن يعزز الذكاء الاصطناعي الردع عبر إشارات أوضح وأسرع، لكن تصاعد حرب المعلومات المدعومة بهذه التقنيات يهدد بعكس ذلك. وحتى في مراحله المبكرة، أثبت هذا النمط من الصراع قدرته على إدخال عدم يقين عميق في الحكم وصنع القرار.

في هذا السياق، لم يعد الردع قائمًا على القدرات والعزم فقط، بل على القدرة على حماية البيئة المعلوماتية ذاتها من التشويه.

وسيكون التحدي المركزي أمام الحكومات هو كيفية تسخير فوائد الذكاء الاصطناعي مع منع تحوله إلى أداة لتقويض الاستقرار الاستراتيجي.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=

جزيرة ام اند امز

NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى