الجوهرة السرية «أليس سانجر».. 135 عاما على تعيين أول امرأة في الرئاسة الأمريكية

في الثاني من يناير/كانون الثاني عام 1890، لم يكن البيت الأبيض مجرد مقر للسلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، بل كان مسرحا للحظة فارقة في تاريخ العمل الحكومي وحقوق المرأة.
في ذلك الصباح الشتوي البارد، عبرت شابة في الرابعة والعشرين من عمرها الرواق الشمالي ذي الأعمدة في 1600 شارع بنسلفانيا، لتصبح أول امرأة تنضم رسميا إلى هيئة موظفي مؤسسة الرئاسة الأمريكية.
اسمها أليس سانجر، ودخولها البيت الأبيض لم يكن مجرد تعيين وظيفي عابر، بل بداية مسار طويل أعاد تشكيل صورة المرأة في العمل العام داخل أروقة الحكم الأمريكي.
وبعد مرور 135 عاما على تلك اللحظة التاريخية، تعود سيرة أليس سانجر إلى الواجهة، ليس فقط بوصفها أول امرأة تعمل في طاقم رئيس أمريكي، بل باعتبارها نموذجا مبكرا لدور المرأة الكفء والمؤثر في مؤسسات الدولة، في زمن كانت فيه مشاركة النساء في المجال العام استثناءً لا قاعدة.
بحسب ما أوردته صحيفة The Reporter الأمريكية، عين الرئيس الأمريكي بنجامين هاريسون، عام 1890، أليس سانجر للعمل في مكتبه، في وقت كانت فيه حركة حقوق المرأة تشهد نشاطا متزايدا في الولايات المتحدة. وجاء هذا القرار ليكسر تقليدا راسخا حصر العمل داخل البيت الأبيض في الرجال فقط، ويمنح المرأة موطئ قدم داخل قلب السلطة التنفيذية.
ولدت أليس سانجر في ولاية ماساتشوستس، وانتقلت مع أسرتها في طفولتها إلى ولاية إنديانا، حيث نشأت وتلقت تعليمها. وبرغم صغر سنها، برزت موهبتها في الكتابة والاختزال، ما أهلها للعب دور محوري في الحملة الرئاسية لبنجامين هاريسون عام 1888، إذ عملت كاتبة اختزال، وساهمت بكفاءة في تنظيم الخطابات والمراسلات.
هذا الدور اللافت دفع هاريسون، بعد فوزه بالانتخابات، إلى ضمها رسميا إلى طاقمه الرئاسي، لتغادر أليس منزلها في إنديانابوليس متجهة إلى واشنطن العاصمة، حيث ستبدأ فصلا جديدا في تاريخ البيت الأبيض.
لم يكن اليوم الأول في العمل سهلا، وكما ذكرت صحيفة Washington Examiner، خرجت أليس سانجر فجر يوم الخميس، الثاني من يناير/كانون الثاني عام 1890، مرتدية معطفها الشتوي، محاولة إخفاء قلقها خلف ملامح من الثبات والشجاعة. كانت تدرك أنها لا تدخل مجرد وظيفة جديدة، بل تخوض تجربة غير مسبوقة، وتتحمل مسؤولية تمثيل النساء في فضاء لم يُفتح لهن من قبل.
وعندما خطت داخل البيت الأبيض، كانت تعلم أن أنظارا كثيرة تترقبها، وأن أي خطأ قد يستخدم ذريعة للتشكيك في قدرة النساء على العمل في هذا الموقع الحساس. غير أن الأيام التالية أثبتت أن اختيارها لم يكن رمزيا أو شكليا، بل استند إلى كفاءة حقيقية وقدرات استثنائية.
على الرغم من أن لقبها الوظيفي الرسمي كان “كاتبة”، فإن هذا الوصف لم يكن يعكس حجم الدور الذي لعبته أليس سانجر داخل مؤسسة الرئاسة. فقد كانت متعددة المواهب، بارعة في الرسم، تمتلك أذنا موسيقية، والأهم أنها كانت قادرة على تدوين الإملاء بسرعة تصل إلى 200 كلمة في الدقيقة دون أخطاء إملائية، وهو إنجاز نادر في ذلك العصر.
وتشير تقارير معاصرة، نقلتها The Reporter، إلى أن الصحافة آنذاك ركزت في كثير من الأحيان على مظهرها وملابسها، متجاهلة عمق مساهمتها المهنية. غير أن ما لم تدركه تلك التغطيات السطحية، أن أليس كانت تمسك بخيوط دقيقة من عمل الرئاسة اليومية.
تميزت أليس سانجر بدرجة عالية من السرية والانضباط، حتى لقبت داخل البيت الأبيض بـ“جوهرة السرية”. لم تقتصر مهامها على كتابة الخطاب السنوي للرئيس هاريسون أمام الكونغرس، بل كانت مسؤولة عن حفظه وتأمينه حتى لحظة إرساله رسميا إلى مبنى الكابيتول.
كما تولت قراءة جميع مراسلات الرئيس والسيدة الأولى، كارولين هاريسون، وكانت ترد على معظمها بخط يدها، ما جعل توقيعها واحدًا من أكثر التواقيع شهرة في الولايات المتحدة خلال أواخر القرن التاسع عشر. وبحسب مؤرخين، لم يكن هناك توقيع امرأة يحظى بالانتشار ذاته في تلك الفترة.
وتكشف المؤسسة الوثائقية Shapell Manuscript Foundation عن بعد آخر من الأهمية التاريخية لدور أليس سانجر. ففي الثاني عشر من فبراير/شباط عام 1880، وصل إلى البيت الأبيض صندوق خشبي يحتوي على آلة كاتبة من طراز “فيربانكس وشركاه المحسن رقم 2”، ستحدث لاحقا ثورة في المراسلات الرئاسية.
ورغم أن الرؤساء الأمريكيين السابقين، مثل هايز وغارفيلد وآرثر وكليفلاند، لم يستخدموا الآلة الكاتبة في مراسلاتهم، فإن وصول بنجامين هاريسون إلى البيت الأبيض جاء في وقت أصبحت فيه الآلة أداة لا غنى عنها. خصصت لها غرفتان صغيرتان داخل البيت الأبيض، إلى جانب الهاتف والتلغراف، وأسند تشغيلها إلى أليس سانجر.
وتعد رسالة الشكر التي كتبها الرئيس هاريسون، عبر الآلة الكاتبة، إلى صاحب دار تجليد كتب في فيلادلفيا، أقدم مثال معروف لرسالة رئاسية مكتوبة آليا، ما جعل أليس شاهدة ومشاركة في تحول جذري أنهى عصر الرسائل الرئاسية المكتوبة بخط اليد.
في عام 1893، خسر بنجامين هاريسون انتخابات التجديد، وغادر البيت الأبيض. غير أن أليس سانجر بقيت. فبسبب أهميتها البالغة في العمل اليومي للسلطة التنفيذية، طلب منها الرئيس الجديد، غروفر كليفلاند، الذي ينتمي إلى حزب سياسي مختلف، الاستمرار في منصبها، في خطوة نادرة تعكس تقديرا مهنيا يتجاوز الانتماءات الحزبية.
وبعد عام واحد، انتقلت أليس إلى إدارة البريد الأمريكية، التي كانت آنذاك وكالة على مستوى مجلس الوزراء، لتبدأ مرحلة جديدة لا تقل تأثيرا عن عملها في البيت الأبيض.
في إدارة البريد، تولت أليس سانجر مهام تنظيمية واسعة، شملت إدارة الميزانيات والإعلانات، وتتبع اللوائح والقوانين البريدية، فضلا عن تجميع دليل إرشادي ضخم من 700 صفحة، كان بمثابة المرجع الذي يوجه عمل كل مكتب بريد في الولايات المتحدة.
وأظهرت كفاءة لافتة في التنظيم والتخطيط، إذ أدارت حملات لجمع التبرعات لسندات الحرب، والتبرعات للصليب الأحمر، وأسهمت في تنظيم احتفالات وطنية ومناسبات رسمية، ترك بعضها أثرًا دائمًا في الذاكرة الأمريكية.
من أبرز إسهامات أليس سانجر، بحسب وثائق Shapell، دورها في ترسيخ الاحتفال بـ“يوم العلم” الأمريكي. ورغم أن فكرة إحياء ذكرى اعتماد علم الولايات المتحدة عام 1777 لم تكن من ابتكارها، فإنها كانت العقل التنظيمي وراء أول احتفال رسمي واسع النطاق بيوم العلم عام 1908، أثناء عملها في مكتب البريد.
شهد فناء مبنى مكتب البريد القديم احتفالا ضخما، ارتفعت فيه أصوات الفرق الموسيقية والخطباء، بينما كان علم أمريكي عملاق يرفرف في المشهد. ومع مرور السنوات، انضمت إدارات حكومية أخرى إلى الاحتفال، ثم لحقت بها الولايات، مستفيدة من التوجيهات التي قدمتها مكاتب البريد المحلية، في مسار يعود الفضل الأكبر فيه إلى جهود أليس سانجر.
ثمة انسجام عميق بين مسيرة أليس المهنية ودورها في الترويج ليوم العلم. فعندما يرفع العلم الأمريكي، لا ينظر إليه مجرد قطعة قماش، بل كرمز لمبادئ الحرية والحكم الذاتي، ووعد بأن يكون لكل رجل وامرأة حق السعي وراء السعادة.
وهذا المعنى ذاته جسدته أليس سانجر في حياتها العملية؛ امرأة شقت طريقها في مؤسسة مغلقة، وفرضت حضورها بالكفاءة والالتزام، وأسهمت في ترسيخ تقاليد إدارية وتنظيمية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
اليوم، وبعد مرور 135 عاما على دخول أليس سانجر البيت الأبيض، تبدو قصتها أكثر من مجرد صفحة في كتاب التاريخ. إنها شهادة على أن التغيير يبدأ أحيانا بخطوة فردية جريئة، وعلى أن الكفاءة قادرة على تجاوز القيود الاجتماعية والسياسية.
وبينما تحتفل الولايات المتحدة بتقدم المرأة في مختلف مواقع صنع القرار، تبقى أليس سانجر رمزا مبكرا لذلك المسار الطويل، واسما يستحق أن يُستعاد، لا بوصفه “أول امرأة” فقط، بل كإحدى الشخصيات التي أسهمت بصمت وفاعلية في تشكيل مؤسسات الدولة الأمريكية الحديثة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز




