إليزابيث الثانية بين السلطة والقصر.. «سياسة صامتة» لملكة لم تحكم

كشف كتاب صحفي جديد النقاب عن الجانب غير المُعلن من شخصية الملكة إليزابيث الثانية، مُصوراً إياها بأكثر من مجرد رمز بروتوكولي صامت.
وفي كتابه «السلطة والقصر»، الذي نشرت “التايمز” مقتطقات منه، يقدم الصحفي فالنتاين لو، المراسل الملكي السابق للصحيفة، شهادات حصرية من سياسيين وكبار موظفي القصر، ترسم صورة لامعة لملكة كانت تتابع أدق التفاصيل، وتتمتع بحنكة سياسية عالية.
رأي صريح في «البريكست»
ويفند الكتاب الادعاءات الإعلامية القديمة التي نقلت عن الملكة تأييدها لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويكشف أنها قالت بوضوح لأحد الوزراء في ربيع عام 2016: “لا ينبغي أن نغادر الاتحاد الأوروبي… من الأفضل التمسك بالشيطان الذي نعرفه”.
ويؤكد الكتاب أن الملكة، رغم انزعاجها أحياناً من بيروقراطية بروكسل، كانت ترى في الاتحاد الأوروبي ركيزة أساسية للسلام في القارة العجوز بعد الحرب العالمية الثانية وضمانة للتعاون بين دولها.
ونقل عن رئيس الوزراء السابق، ديفيد كاميرون، اعترافه بأنها كانت ترى أهمية البقاء في الاتحاد، ولو مُنحت حق التصويت “لاختارت البقاء بلا شك”.
معركة مالية خفية
ويتطرق الكتاب إلى شؤون المال، حيث يكشف أن الملكة كانت دقيقة في متابعة الشؤون المالية للقصر. وقد انتقدت الصيغة «السخية» جداً التي ابتكرها وزير المالية السابق جورج أوزبورن في عام 2010، والمعروفة باسم “المنحة السيادية”، والتي ربطت تمويل القصر الملكي بنسبة 15% من أرباح مؤسسة «كراون إستيت».
وبحسب الكتاب، حاولت الخزانة لاحقاً تقليص هذه النسبة دون جدوى، واعترف أحد مسؤوليها قائلا: «لقد أفرطنا في جانب السخاء».
كما كانت الملكة، بحسب أوزبورن، تنتقد بعض أفراد العائلة الملكية بقسوة بسبب سوء إدارتهم المالية، قائلة: “فلان لا يجيد التعامل مع المال”.
لقاءات القادة: بين الرهبة والبساطة
يسرد الكتاب كيف كان القادة العالميون يشعرون برهبة بالغة أثناء لقاء الملكة، لدرجة أنها همست ذات مرة في إحدى المآدب عام 2011 إلى وزير المالية طالبة منه إبلاغ الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، بأن “موعد النوم قد حان”، قبل أن يتدخل سكرتيرها الخاص لتفادي الموقف المحرج.
وفي إشارة إلى بساطتها خلف الكواليس، يصف رئيس الوزراء السابق جون ميجور الأجواء العائلية في قصر بالمورال في اسكتلندا بأنها كانت مرحة وعفوية، حيث كانت الملكة تتمشى تحت المطر مع كلابها، وكان زوجها الأمير فيليب يشوي النقانق، بينما كانت هي نفسها تغسل الصحون، ورفضت مساعدة أحد الضيوف لأنها “تستمتع بذلك”.
وباء كورونا ووليّ العهد: تحديات داخلية
ويكشف الكتاب أن رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون أصر على مقابلة الملكة شخصياً أثناء إصابته بأعراض “كوفيد-19” الواضحة، قبل أن يثنيه مستشاروه محذرين: “ستقتل الملكة إن ذهبت”، وتم اللقاء لاحقا عبر الهاتف.
كما يعقد الكتاب مقارنة بين حكمة الملكة وحيادها وبين صراحة الملك تشارلز الثالث في التعبير عن آرائه السياسية، خاصة في قضايا البيئة، ما أثار غضب حكومة توني بلير في التسعينيات.
ونقل عن الملكة قولها بحزم: “بمجرد أن تُبدي رأيا سياسيا، ستخسر جزءا من الشعب”، وهو ما أدركه تشارلز لاحقا واعترف به.
تعديل الخطابات الحكومية
ويختتم الكتاب بالإشارة إلى إحدى أهم مهام الملكة الرسمية، وهي إلقاء “خطاب العرش” الذي تعلن فيه عن برنامج الحكومة. ويكشف أن مكتب الملكة كان يتدخل أحيانا لطلَب تعديل الصياغة إذا ما تضمنت لغة حزبية أو تحريضية، حيث تم حذف عبارات مثل “استعادة السيطرة” المرتبطة بالبريكست من خطاب لحكومة بوريس جونسون، كما أزيلت فقرة عن مشروع رواندا المثير للجدل.
في المقابل، فقد أعربت عن إعجابها بخطة تعليمية في خطاب 2021 تستهدف إدخال 40 مليون فتاة حول العالم إلى المدارس
وخلص الكتاب إلى أن الملكة خلفت وراءها إرثا سياسيا صامتا، لكنه عميق، مزج بين الحكمة والبراغماتية، وحرص على التوازن بين الرأي الشخصي والواجب الوطني، في واحدة من أدق المراحل بتاريخ بريطانيا الحديث.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز